محمد بن جرير الطبري
26
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ببر بعضه بدرهم ، وبعضه بدرهم ؛ فلما كان المعنى التبعيض حذف العائد . قال : وأما ابتداء وإن " في كل موضع إذا طال الكلام ، فلا يجوز أن تبتدئ إلا بمعنى : قل إن الموت الذي تفرون منه ، فإنه جواب للجزاء ، كأنه قال : ما فررتم منه من الموت ، فهو ملاقيكم . وهذا القول الثاني عندي أولى في ذلك بالصواب للعلل التي ذكرناها . القول في تأويل قوله تعالى : وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ . . . يَوْمَ الْقِيامَةِ . . . مُقِيمٍ يقول تعالى ذكره : وترى يا محمد الظالمين يعرضون على النار خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يقول : خاضعين متذللين . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : الخشوع : الخوف والخشية لله عز وجل ، وقرأ قول الله عز وجل : لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ إلى قوله : خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ قال : قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم وخشعوا له . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : خاشِعِينَ قال : خاضعين من الذل . وقوله : يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ يقول : ينظر هؤلاء الظالمون إلى النار حين يعرضون عليها من طرف خفي . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ فقال بعضهم : معناه : من طرف ذليل . وكأن معنى الكلام : من طرف قد خفي من ذلة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ إلى قوله : مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ يعني بالخفي : الذليل . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله عز وجل : مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال : ذليل . قال آخرون : بل معنى ذلك أنهم يسارقون النظر . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال : يسارقون النظر . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال : يسارقون النظر . واختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي البصرة في ذلك : جعل الطرف العين ، كأنه قال : ونظرهم من عين ضعيفة ، والله أعلم . قال : وقال يونس : إن مِنْ طَرْفٍ مثل بطرف ، كما تقول العرب : ضربته في السيف ، وضربته بالسيف . وقال آخر منهم : إنما قيل : مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ لأنه لا يفتح عينيه ، إنما ينظر ببعضها . وقال آخرون منهم : إنما قيل : مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم ، لأنهم يحشرون عميا . والصواب من القول في ذلك ، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد ، وهو أن معناه : أنهم ينظرون إلى النار من طرف ذليل ، وصفه الله جل ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم ، حتى كادت أعينهم أن تغور ، فتذهب . وقوله : وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقول تعالى ذكره : وقال الذين آمنوا بالله ورسوله : إن المغبونين الذين غبنوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة في الجنة . كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال : غبنوا أنفسهم وأهليهم في الجنة . وقوله : أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ يقول تعالى ذكره : ألا إن الكافرين يوم القيامة في عذاب لهم من الله مقيم عليهم ، ثابت لا يزول عنهم ، ولا يبيد ، ولا يخف . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ . . . فَما لَهُ . . . مِنْ نَكِيرٍ يقول تعالى ذكره : ولم يكن لهؤلاء الكافرين حين يعذبهم الله يوم القيامة أولياء يمنعونهم من عذاب الله ولا ينتصرون لهم من ربهم على ما نالهم به من العذاب من دون الله . وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ